جاري تحميل ... الأهرام نيوز

رئيس التحرير: محمد عبدالعظيم عليوة

رئيس التحرير التنفيذي: عبدالحليم محمد

نائب رئيس التحرير: د.الحسن العزاوي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

مقالات

المستشار سامح عبدالله يكتب اللاشعور..!

من يوميات_نائب_فى_المدينة " إن لحظة المرض هى أكثر اللحظات التى يصبح فيها الإنسان عاجزًا عن ارتداء القناع ويضطر إلى أن يعرى نفسه وجسده" د. نوال السعداوى عند الساعة السادسة مساءًا تهيأت للذهاب إلى مقر النيابة. نيابة المنتزة الجزئية ومكتبى القائم بالطابق الثالث بالمحكمة البحرية كما تعارف على تسميتها والمقابلة تمامً شاطئ الأنفوشى. لم أكن مكلفًا فى هذا اليوم بأعمال النيابة المسائية لكننى وفى أحيانٍ كثيرة أذهب إلى مكتبى عند هذا التوقيت لإنجاز أعمال الإيراد اليومى من الجنح والمخالفات ومحاضر الشكاوى الإدارية والعوارض وفى الليلة لم يكن الأمر قاصرًا على ذلك فحسب بل أردت أن أُعيد قراءة قضية كنت قد حققتها وباتت أوراقها على وشك التصرف. أرديت بدلة خفيفة تتناسب مع فصل الربيع الذى أعلن قدومه إلى الإسكندرية لتختمر رائحة البحر الفسفورية بأريج الياسمين فيصير الهواء هنا مفعمًا برحيق أسطورى وكأنه عُبق عند جبال الأولومب الأغريقية. كنت أسكن بشارع فؤاد حيث استراحة القضاء والنيابة وكان هذا من دواعى سرورى. نعم لم يكن هناك أروع من ألتقى كل صباح ومساء بأجواء الشارع العريق الذى يثبت عند كل جنبة من جنباته أن مصر لم يصنعها أحد. هى قائمة بذاتها وهكذا تصنع التاريخ. صحيح أن هناك صناع لا ريب لكن تبقى حقيقة هامة وهى أن مهارة الصانع تقف عند حد تشكيل المادة لكن مصر تعطيها الروح. أخذت فى تمشيتى المعتادة لألتقى سينما مترو "بأفيشاتها" المثيرة التى تعلن عن الجديد فى السينما الأمريكية بينما كانت سينما أمير على بعد عدة أمتار منها تنوع برامجها بين الأفلام الأمريكية والعربية وإن كانت تميل أكثر إلى الأخيرة. مطعم " سانتا لوتشيا" بجماله الغامض لن تخطئه الأعين وأمامه عند الناحية اليمنى من الطريق تقع مقهى " ايليت" الشهيرة بطرازها الغربى وهويتها الكوزوموباتية. أشق الطريق إلى محطة الرمل عبر شارع صفية زغلول وربما تناولت قطعة من الحجازية بالقرفة عند حلوانى فيومى. حديقة سعد زغلول وتمثال الزعيم الممشوق فى مواجهة شاطئ المتوسط لا أعلم ماذا يقول للقادمين إلى مصر بهذا الصمت المهيب. فندق سيسيل العريق ملتقى المفكرين والفنانين والسياسيين فى القرن الماضى. كنت أحب هذه التمشية التى أقطعها ذهابًا وجيئة كل يوم صباح مساء حتى باتت خطواتى تعرف هذه الطرق ومعالمها وأظنها هى أيضًا كانت تعرفنى. الآن أصل إلى مبنى المحكمة. عربة الشرطة ذات اللون الأزرق المقبض تنبئنا بأنه قد بدأ غمار أعمال النيابة المسائية. أخذت فى صعود السلم الضيق المتهالك فى بعض أجزائه تحت ضوء قاتم لا يفترق عن الظلمة كثيرًا والمزدحم بعض الشئ. فهذا هو وقت عرض المتهمين على النيابة بما يصاحب ذلك من وجود الحرس و محاميهم وأهليتهم لكن على أي حال ليس هو الزحام الذى نقابله صباحًا. عند الطابق الثالث وعند الجانب الأيمن أخذت فى السير عبر طرقة عدة أمتار أخذتنى إلى باب مكتبى. لدى بعض الطقوس كلما حانت لحظة التقائى المسائى بمكتبى خاصة عندما لا أكون مكلفًا بأعمال النيابة المسائية. أستعمل ضوء " الأباجورة " الدافئ ينصب مثل دائرة صغير فوق الأوراق التى أقرأها دون أن أستعمل مصباح الغرفة المزعج فى وهجة الأبيض. دائما يوجد مذياع صغير يمكننى أن أستمع إلى صوت الموسيقى الخافت على البرنامج الأوروبى ولا مانع من إشعال سيجار مع فنجان قهوة رغم أننى لم أدمن التدخين لكننى وربما بحركة لاشعورية كلما أخذت فى القراءة وانا وسط تلك الأجواء امتدت يدى إلى سيجار وصوت قداحة يعلن أن رحيق القهوة العذب سيختلط بلفافات من سيجار كوبى الصنع ولا يبق بعد ذلك سوى أن يولد الإبداع. بعدما قمت بالتصرف فى بعض محاضر الإيراد تحسست أوراق تلك القضية التى أسكنتها درج مكتبى. لم تكن واقعات القضية نادرة إلا بما حوته أوراق التحقيق عند بضعة أسطر ببن صفحاتها ألقتها فتاة السابعة عشر وهى تروى لى أقوالها كمجنى عليها فى جريمة " هتك عرض" توافر لها عنصر الرضاء وقد كانت تلك القضية تدخل فى عداد الجنح وقتها حتى جعل منها المشرع جناية فى تعديل لاحق. هى من القضايا الشائعة للأسف وتكشف عن مدلول نفسى مقلق مبعثه هو الكبت الذى هو نتاج كل شر يصيب النفس البشرية. تبدأ قصة القضية البداية التقليدية التى تسطرها تحريات الشرطة. فتاة " قاصر" تتغيب عن المنزل برضائها عدة أيام وربما يوم واحد مع شخص تربطهما علاقة عاطفية وقد وعدها بالزواج. تعود الفتاة إلى أسرتها ثم يبدأ فصل جديد فى القصة بعد تحرير محضر ضبط بالواقعة بسؤال المجنى عليها ومواجهة المتهم بأقوالها وبمحضر التحريات وبتقرير الطب الشرعى ثم بعد ذلك تتهيئ الأوراق إلى التصرف وغالبًا ما كنت أقوم بالتقرير بألا وجه لإقامة الدعوى فى مثل هذه التوقعات التى كانت تنتهى صلحًا واتفاقًا بين أطرافها وربما كان الزواج هو الوضع الأمثل ومن أجل ذلك لا أذكر انتى قدمت مثل هذه القضايا إلى المحاكمة الجنائية لأن المحاكمة هنا تمثل فى نظرى الحلقة الأسوأ بين حلقاتها هذه القضية. لكن الذى استوقفنى هنا كان بضعة أسطر قالتها الفتاة استدعتها من أعماق أو على الأرجح فرت منها دون إرادة. قالت الفتاة أنها لم تذهب مع المتهم من أجل العاطفة ولا تريد الزواج منه، أو من آخر لأنها مريضة! أخذتنى الكلمات وربما كانت طريقتى الهادئة عند الاستماع إليها ألقت فى نفسها الطمأنينة بحيث دفعتها لأن تخرج المكنون بداخلها والذى تعجز عن الوصول إليه كل إجراءات الاستدلال. قلت لها والدهشة تتملكنى: كيف ..وما هو مرضك هذا؟! ولقد جاءت الاجابة فى هذه الأسطر: عند سن العاشرة كانت تذهب إلى شقيقتها المتزوجة من أحد الفنيين بين الحين والآخر وذات صباح وبينما كنت نائمة شعرت بمن يمسسها عند مؤخرتها. لقد كان هذا زوج شقيقتها يتأهب للخروج إلى ورديته الصباحية. كان الوقت مبكرًا وبينما كانت الفتاة ملقاة على جانبها الأيمن فوجئت بمن يعبث بها على هذا النحو. كان هذا أول إيقاظ لغريزتها الأنثوية. إنه الاستيقاظ الأكثر حماقة وبذاءة عندما يغلب الشعور الغرائزى على الاحساس الفطرى بالطفولة. لم تستطع الطفلة أن تصنع شيئًا..! هنا لا مجال لمقاومة. الصدمة تجهض أية محاولة للمقاومة. والإفصاح عن الأمر فيه مهلكة لا محال. وتكرر الأمر وأضحت فتاة العاشرة أسيرة بين قضيتين. إحداهما قبضة الغريزة والأخرى قبضة البغض لهذا الكائن البذئ هذا هو التناقض المريع الذى زلزل نفسها و حينما يوقظ لهيب الغريزة عند مرحلة زمنية بينما كان لزامًا وبمنطق طبيعى أن يكون أبعد الأشياء عن الظهور. وقد يتصور البعض أن هذه الحوادث نادرة لكن الحقيقة غير ذلك. إنها كثيرة لكنها تُلقى فى سرداب اللاشعور وبينما نحسب أنها اندثرت إذ بها حية بداخلنا لم تمت بل فقط كانت ساكنة فأخرجها إلى دائرة الشعور حادث فإذا بها كأنها تقع الآن أمام أعيننا. لقد ارتبط فى ذهن الطفلة أن هذا هو موضع الغريزة وأن الوسيلة الوحيدة لإشباعها هى أن يأتها هذا الأحمق الذى تبغضه هذا الفعل دون أن تقوى على مقاومته. ربما يعترينا النسيان لبعض ما يمكن أن يؤلمنا لكنه ليس نسيانًا كاملًا بل تظل ذاكرتنا تتشبث بخيوطه وعن لحظة معينة تنسجه واقعًا مؤلمًا مريرًا يتجسد أمام أعيننا. كبرت الفتاة ولم تنس. وبعدت الأيام لكنها لم تكن من ذاكرتها . وكثرت الحوادث لكن الحادث الأم بقى مثل خلية حية بداخلها. لقد اختبئ باللاشعور. دخلت الفتاة فى تلك العلاقة لا لشئ سوى لأنها مريضة. هكذا تصف نفسها. لقد جاءت نتيجة تقرير الطب الشرعى تؤيد ذلك. غشاء بكارتها لم يمس وكان هذا هو ما يهم ذويها بل إن هذا هو الذى يكترث له فقط المجتمع..! أما باقى جسدها فلا يهم. أما باقى كيانها فشئ ثانوى حتى ولو أورى التقرير أن جزءًا من جسدها قد نال منه هذ الهتك البغيض. لكن لا بأس وطالما خاتم العفة عند الفتاة لم يمس. كنت فى تلك الآونة قد بدأت الاهتمام بدراسة علمى الإجرام والعقاب بصورة أكثر تعمقًا عن ذى قبل ورحت أبحث عن كل ما يتعلق بعلم النفس الجنائى وبكل دراسة تتحدث عن الاعتداء الجنسى على الأطفال ولم يغب " فرويد" عن المشهد بل كان حاضرًا بقوة وكان كتاب الدكتور زكى أبو عامر فى علم الإجرام والعقاب أمامى وكانت مؤلفات الدكتور رمسيس بهنام الذى بلغ الحد الروعة فى هذا المجال تظلنى. وقرأت عن اللاشعور كثيرًا لقد قرأت مؤلف المستشار محمد بك فتحى طبعة ١٩٤٣ فى علم النفس الجنائى" أن كل خبرة يكابدها الإنسان فى فترة حياته لا بد أن تترك فى نفسه أثرًا ما يتفاوت بتفاوت أهمية الحادث ومبلغه فى النفس وأن لكل منا ذاكرة باطنة تحصى من ممارستنا كبيرها وصغيرها فى شكل مجموعة فكرية منظمة فهى أشبه فى نظر علماء النفس بدار المحفوظات التى تحفظ فيها صور الحوادث مرتبة فى ملفاتها للرجوع إليها عند الحاجة " وقرأت أنه أحيانًا يكون استحضار ذكريات تتصل بماضينا شئ عصى على التحقق إلا إذا تهيأت له ظروف خاصة ومناسبات معينة فايقظت فينا عن طريق تداعى المعانى تلك الذكريات وأثارتها من كمينها ومضجعها. وانتهت القضية بالحفظ لعدم الأهمية كان المحامى العام وقتها رجل عظيم هو المستشار عزت أبو الخير قد هيئ لنا الأجواء لأن يكون كل منا محام عام كمان كان يقول لنا دائمًا. تصالح الأطراف ورضيت الفتاة بزواج لم تأخذ لحظة شك فى أنه زواج صورى ليس من أجل فقط أنه جاء للتستر على عرض فتاة كما يشبع غريزة المجتمع لكن لأن الفتاة لن تمكنها غرائزها من الزواج وطالما ظلت بلا علاج نفسى. نغلق ملفات القضايا ونحن نظن أننا أغلقنا حوادثها بينما لم نفعل أكثر من أننا طوينا صفحاتها لكن الحوادث تظل متقدة داخلنا مكنونة تنتظر إثارة الشعور لتخرج علينا تنبئنا بأن ذكريات الماضى قد تبقى خالدة فى النفس من المهد إلى اللحد. لقد علمتنى أوراق التحقيق أن اللاشعور هو منطقة النفس الغائرة فى أعمق قرار لها والقريبة فى ذات الوقت لأقرب درجات الشعور وذلك عندما تهيئها لنا الظروف. لقد تعلمت أننا ربما نحن جميعًا أسرى اللاشعور تلك القوى العظمى الكامنة فينا والمأساة ألا ندرى..!
الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *