جاري تحميل ... الأهرام نيوز

رئيس التحرير: محمد عبدالعظيم عليوة

رئيس التحرير التنفيذي: عبدالحليم محمد

نائب رئيس التحرير: د.الحسن العزاوي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

مقالات

الدكتور احمد السيد النجار يكتب..الحق في النيل تحميه العدالة والكفاءة والصلابة والقوة





بقلم احمد السيد النجار
أعلن وزير الري الإثيوبي قبل أسبوعين عن بدء ملء خزان سد النهضة، ثم تراجع وأشار إلى أن الإعلام حرف تصريحاته، وانخفضت تصرفات النيل الأزرق في السودان مما أكد بدء الملء، لكن إثيوبيا انتظرت حتى أكملت فعلتها ثم أعلنت اكتمال المرحلة الأولى من الملء، وجاءت الحقارة العدوانية الأكبر بإعلان أن النيل الأزرق أصبح بحيرة إثيوبية رغم أنه نهر دولي بامتياز وهو المكون الأساسي لنهر النيل!! وهذا النموذج للكذب والاحتيال والتبجح هو نمط سلوكي للسلطة الحاكمة في إثيوبيا، ولو تم التساهل معه فإنها ستتجه بعد إكمال سدها وملء خزانه إلى اقتطاع جزء من مياه النيل الأزرق خلافا لتأكيداتها المستمرة حتى الآن على أنها تبني السد لتوليد الكهرباء فقط. ولو نجحت في ذلك ستقودها شراهتها والمطالب المائية للمستثمرين الأجانب في قطاع الزراعة لديها وغالبيتهم من أعراب الخليج إلى التطلع لقضم المزيد من المياه من نهري السوباط والعطبرة اللذان ينبعان من أراضيها، فلو سمحنا بأن يؤكل الثور الأبيض (النيل الأزرق) من دولة متبجحة رغم ضعفها، فسوف يأتي الدور على باقي الثيران. وينبع النيل الأزرق من بحيرة تانا وعند الرصيرص في السودان يكون إيراده المائى السنوى نحو 50 مليار متر مكعب، ثم يلتقى برافده الدندر بالقرب من بلدة "حلة إدريس" وإيراده السنوى نحو 3 مليارات متر مكعب. ثم يلتقى قرب بلدة واد مدنى برافد آخر هو "الرهد" ويبلغ إيراده المائى نحو مليار متر مكعب. وبالتالي يبلغ إجمالي الإيراد المائي للنيل الأزرق وروافده نحو 54 مليار متر مكعب عند الخرطوم، ويصل منها إلى أسوان نحو 48 مليار متر مكعب بعد خصم ما يفقد بسبب العوامل الطبيعية المختلفة وعلى رأسها البخر. ويبلغ طول النيل الأزرق من منبعه فى بحيرة تانا حتى مصبه فى النيل الرئيسى عند الخرطوم نحو 1618 كم ويبلغ عرضه نحو 500 متر وعمق مياهه ما يتراوح بين 9، 12 مترا فى وقت الفيضان. أما فى فترة الجفاف من يناير حتى مايو فإن النيل الأزرق يتحول إلى نهر ضعيف مياهه غائرة. ويتميز النيل الأزرق بمعامل انحدار مرتفع يصل إلى 1,5 متر لكل كيلومتر في مجراه الإثيوبي، ونحو متر واحد لكل 7 كيلومترات في مجراه السوداني مما يجعل مياهه تتدفق بقوة وسرعة شديدة، وبالتالي فإنها لا تفقد بالبخر سوى كميات محدودة من المياه، رغم أن النهر ينبع ويجري في منطقة مدارية شديدة الحرارة. 
ويبلغ حجم تدفقات المياه الداخلية في إثيوبيا نحو 122 مليار متر مكعب، ويستخدم منها نحو 5,6 مليار متر مكعب فقط، بنسبة استخدام تبلغ 4,6% من تلك الموارد. ويستهلك قطاع الزراعة نحو 94% من إجمالي استهلاك إثيوبيا من المياه، بينما يبلغ الاستهلاك المنزلي نسبة الـ 6% الباقية. ورغم أن نحو 83,6 مليار متر مكعب من تلك الموارد المائية تتدفق إلى جنوب وشمال السودان ومصر، إلا أنه يبقى لإثيوبيا 38,4 مليار متر مكعب من المياه السطحية التي تجري في أنهارها والتي لا يستغل منها سوى 14,6% فقط. وإضافة لتلك الموارد المائية السطحية، هناك المياه الجوفية التي يوجد لدى إثيوبيا مخزون هائل ومتجدد منها بفعل الأمطار الموسمية الغزيرة وهو مخزون لا يستخدم منه إلا النذر اليسير. كما أن هناك كميات هائلة من الأمطار التي تصل لقرابة 950 مليار متر مكعب سنويا يغذي جزء منها أنهارها وتتبدد غالبيتها الساحقة بالبخر أو التشرب والتسرب ويمكن إنقاذ جانب مهم منها ببناء خزانات صغيرة لجمع مياه الأمطار من مخرات السيول المتاخمة للمناطق السهلية القابلة للزراعة أو الرعي لاستخدام تلك المياه على مدار العام. 
وللتذكير بالبديهيات فإن منابع النهر الذي يجري في دولة ما قد توجد خارج إقليمها الجغرافي كما في حالة مصر ونهر النيل. وفي العادة كانت الجماعات البشرية أو الدول بعد تشكلها تنزع للتحرك للسيطرة على منابع مواردها المائية، لكن مصر اعتمدت منذ العهد المصري القديم على أنه ليس هناك من ينازعها في مياه النيل حتى لو كان ينبع من خارج أراضيها، كما أن المستوى التقني لم يكن يسمح لأحد بالتحكم في جريان الأنهار الكبرى فسارت في مسارها الطبيعي بلا قيود، وبالتالي لم يتجاوز تحرك مصر القديمة جنوبا منطقة النوبة بغرض إكمال الوحدة مع امتدادها الاجتماعي الطبيعي. وحاولت أسرة محمد علي في العصر الحديث أن تمد حدود مصر إلى منطقة منابع النيل وبخاصة في عهد الخديوي إسماعيل لكنه لم يكتمل لأسباب تتعلق بوصول التكوينات الاجتماعية في بلدان المنابع إلى تشكيل هويات قومية مختلفة لا يجوز معها السيطرة عليها بالقوة كما فعل الاستدمار الغربي، وأيضا بسبب معارضة بريطانيا الطامعة في السودان وأوغندا. 
ويرتب اعتماد أي بلد على مياه النهر لمدى زمني طويل واعتماد حياة البشر والثروة الحيوانية والنباتية على تلك المياه حقا صلبا وقاطعا ولا جدال فيه في تلك المياه ويسمى في القانون الدولي الحق التاريخي. كما يملك هذا البلد الحق والصلاحية والشرعية لضمان تدفق تلك المياه من منابعها حتى وإن لم تكن له السيادة على الإقليم الذي تنبع منه تلك المياه، ويتم ذلك سلميا في العادة لكنه يمكن أن يصل للحرب إذا لم يجد السلم فما خلقت الحروب تاريخيا إلا لحماية البشر والأرض والموارد والحقوق. ولو تم مد مياه النهر الدولي لأي دولة خارج دول الحوض لمدة عام فإنه يترتب لها حق دائم في تدفق المياه التي تم مدها بها وهو ما يسمى في القانون الدولي بـ"حق الارتفاق"، فما بالكم ببلد مثل مصر يشكل النهر شريان حياته وسر وجوده كليا منذ نشأة النهر وتكون الجماعات البشرية. حق مصر واضح وقاطع ومدعوم باتفاقية 15 أبريل عام 1902 بين منليك الثاني ملك إثيوبيا وبريطانيا دولة الاحتلال لمصر والتي تتضمن تعهد إثيوبيا بعدم القيام بأي أعمال على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها الحد من تدفق المياه منها لنهر النيل إلا بعد الرجوع والاتفاق مع الحكومة البريطانية كدولة احتلال لمصر، وهي الاتفاقية التي ورثتها مصر وفقا لقاعدة الاستخلاف في القانون الدولي. وكذلك اتفاقية عام 1906 التي تضمنت تأمين وصول مياه النيل الأزرق وروافده إلى مصر. كما أن مصر أقرت بحق إثيوبيا في بناء سد لتوليد الكهرباء بشروط لا تضر بحقوق مصر وهو موقف محترم وعادل ويتضمن تضحية كبيرة تتعلق بقبول التراجع الحتمي في إيرادات النيل الأزرق عند أسوان بسبب البخر والتسرب والتشرب من بحيرة سد النهضة. وهذا الموقف الكريم يقابله احتيال وعدوان ومراوغة من إثيوبيا بشأن الإقرار بحق وحصة مصر، وبشأن فترة ملء خزان سد النهضة بصورة لا تضر بمصر وحقوقها في النيل الأزرق كنهر دولي يشكل المكون الرئيسي لنهر النيل، وبشأن حجم خزان سد النهضة الذي يمكنه عند مخزون 44 مليار متر مكعب أن يولد أضعاف احتياجات إثيوبيا من الكهرباء وما يعادل 90% من كمية الكهرباء التي سيولدها عند مخزون 74,5 مليار متر مكعب الذي تصر عليه إثيوبيا بلا مبرر سوى العند والتنطع والرغبة في الإضرار بمصر. ولا يجب أن نتوقع دعما من الصين التي تحركها المصلحة بالأساس فهي المستثمر الرئيسي في إثيوبيا والراعي لنهوضها الاقتصادي منذ عقدين وتربطهما علاقة استراتيجية، كما أنها تقف في نفس موقف إثيوبيا بشأن الأنهار التي تنبع من أراضيها وتتدفق لبلدان أخرى. أما إيطاليا التي تنفذ شركتها العملاقة (ساليني) سد النهضة فلن تقوم بأي جهد للضغط على شركتها لإيقاف تنفيذ المشروع بسبب الاحتقانات المترسبة من قضية التعذيب المروع والقتل الذي تعرض له "ريجيني" على أرض مصر، وبسبب تباين المواقف في الشأن الليبي، وهي لن تغير موقفها إلا بعد حل تلك القضية والبحث عن التوافق في الشأن الليبي. أما الولايات المتحدة فإنها تحاول الحصول على مكاسب سياسية ابتزازية دون أن تتخذ أي موقف جدي من إثيوبيا. وهذا يعني أن مصر ينبغي أن تعتمد على نفسها بمنطق "ما حك جلدك غير ظفرك فتول أمر نفسك" سواء في التعامل مع قضية سد النهضة، أو إعادة الحياة والحيوية بكفاءة وفعالية لمشروعات تطوير الإيرادات المائية لنهر النيل، أو ترشيد الاستهلاك المحلي. لكن في كل الأحوال يجب أن تصل لإثيوبيا المارقة والعابثة بالقانون الدولي وبالحقوق التاريخية وبالاتفاقيات التي وقعتها قياداتها في أوقات سابقة رسالة مفادها أنه لم يعد في قوس الصبر منزع وأن مصر المسالمة دائما قد لا تستمر كذلك إذا استمرت إثيوبيا سادرة في غيها فقضية تدفق كامل حصة مصر من مياه النيل هي قضية حياة أو موت.
الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *